عروض لروايات سويسرية

الدفتر الكبير: عن الجانب الآخر من الحياة

بقلم محمود عبد الشكور

بعض الروايات خادعة في بساطتها، في حين أنها تستخدم هذه البساطة لكي تحوّل العادي إلى أمر مدهش، ولكي تحقق تأثيرها المضاعف، ولكي تدفعنا إلى تأمل أشياء عابرة، إنها البساطة التي تخبئ عمقًا مروعًا.

رواية «الدفتر الكبير» للكاتبة أجوتا كريستوف، والتي ترجمها إلى العربية، المغربي محمد آيت حنا، والصادرة عن منشورات الجمل، تندرج تحت بند نوع الرواية سالفة الوصف: ليست لدينا سوى ذكريات عن سنوات الحرب وما بعدها، تفاصيل إنسانية بسيطة، بل وتبدو أحيانًا تافهة، ولكن الرواية لا تمنح أبطالها أسماء، وإنما تصفهم بألقاب، الرواية لا تصف الحرب نفسها، ولكنها تتحدث عن آثار الحرب على قرية صغيرة على الهامش، بل إن الكاتبة مجرية الأصل والتي عاشت في سويسرا وكتبت كل كتاباتها بالفرنسية، لا تذكر اسمًا للحرب التي تتحدث عنها، وإن كنا سنعرف بالطبع من الشواهد والتفاصيل.

هناك أمرٌ آخر لافت ومهم: السارد هنا الذي يحكي بضمير المتكلم، ليس شخصًا واحدًا، إنهما اثنان، توأم، صبيّان اضطرا أن يعيشا مع جدتهما الشرسة، وأن يتكيفا مع قسوة الجدة، ومأساة الحرب معًا. السارد هنا صوتان في صوت واحد، وكأن المأساة مضاعفة، وكأن الشاهد قد انقسم إلى شاهدين، فإذا عرفنا أن ما حدث للصبيين، وما حدث منهما، كان عجيبًا ومفزعًا، فإنه يحق لنا أن نصف الرواية بـ “العمق المروّع الذي يتسلل إلينا من خلف عباءة البساطة”.

ولدت أجوتا كريستوف في المجر في العام 1935، وهاجرت إلى سويسرا وهي في سن العشرين، لم تكن تعرف اللغة الفرنسية، ولكنها تعلمتها، وكتبت بها كل أعمالها، من الواضح أنها عانت كثيرًا في حياتها، وأنها عكست بعضًا من تلك المعاناة في رواياتها، كما أنها عاشت في سويسرا حياة العمال القاسية، ولكنها أيضًا كاتبة موهوبة ومدهشة، لديها قدرة كبيرة على اختزال الوصف والسرد، والاتجاه مباشرة إلى ما يستكمل اللوحة التي تريد رسمها، وليس هناك أدل على ذلك من روايتها «الدفتر الكبير».

تقوم الرواية على ذكريات التوأم عن حياتهما في قرية على الحدود، أمهما البائسة، تركها زوجها المراسل الحربي، وذهب لتغطية الحرب، عاشت معهما في المدينة، ولكن القصف المتواصل، وقلة المؤونة، وصعوبات العيش، كل ذلك أجبر الأم على أن تأخذ التوأم لكي يعيشا في أمان مع جدتهما.

منذ السطور الأولى تتضح فظاظة الجدة، عباراتها شديدة القسوة، ومظهرها مخيف، ولا تنسى أن تذكر ابنتها، أم التوأم، بذهابها إلى المدينة للعيش مع من أحبت، فيما بعد ستبدو الجدة أقرب ما تكون إلى مسخ مخيف شكلا ومضمونًا: ملابس قذرة، فم بدون أسنان، بخل وشراسة، وسمة سيئة تطاردها باعتبارها قاتلة سممت زوجها (جد التوأم)، ولكن دون أن تعثر الشرطة على ما يؤكد هذا الزعم.

يسرد التوأم وقائع ما حدث لهما في بيت الجدة التي ترتزق من بيع خضروات ومنتجات تزرعها وتجهزها، والتي تبيع حتى الملابس والمفروشات التي تركتها الأم لولديها، كما أنها تستأثر بالأموال القليلة التي كانت تبعث بها الأم من المدينة.

يلفت النظر في تلك الذكريات أن أبطالها بدون أسماء، لدينا فقط توأم، وأم، وعجوز، وفتاة تشبه خطم الأرنب، وخوري، وخادمة للخوري، وضابط من ضباط العدو، وجندي يخدمه، وفتاة يعطونها صفة ابنة العم.. إلخ ويظهر الأب في آخر الرواية، مجردًا من اسمه أيضًا، وكأننا أمام نماذج إنسانية تتجاوز فكرة الاسم المحدد، وكأن أجوتا لا تريد من قارئها إلا أن يتأمل البشر بتصرفاتهم وحياتهم الغريبة، لايهم اسم المكان أو اسم الشخص، الوقائع، التي تعكس حياة البشر أثناء الحروب، وتحت قصف الطائرات والمدافع، هي الأهم.

اللافت أيضا أن التوأم يحملان من اللحظات الأولى قوة داخلية هائلة تساعدهما على الصمود، إنهما يخلقان تمارين خاصة بهما لكي يصبرا علي الجلد، أو لكي يتحملا ذل السؤال، أو لكي يتحملا الجوع والعطش، إنهما يبتكران كذلك وسائل لمراقبة الجدة، وللحصول على الكتب، ولتوفير الوقت لكي يستذكرا معًا، يدهشنا هذا التفكير الذي يليق أكثر بمن هم في سن كبيرة، ولكن المعنى هنا أن الحرب والحياة القاسية تخلق بشرًا آخرين، تقتل البراءة والطفولة، وتصنع وتربّي وحوشها الصغيرة، الذين يدافعون عن حياتهم ووجودهم المادي، وسط حرب كالعجوز المشؤومة، أو بالحياة في بيت عجوز مشؤومة تشن عليهم حربا يومية، ولا تناديهم إلا بعبارة واحدة هي: “يا ابني الكلبة”.

يتعود الصبيان على الإهانة، فلا تؤثر فيهما، يكتشفان الحياة في نماذجها الإنسانية الغريبة، بل إنهما يتعرفان علي الموت مبكرا في صورة جثة جندي سلبا سلاحه وذخائره. الأشخاص الذين نراهم بعيون التوأم فيهم أيضا الكثير من التشوه: تلك الفتاة الشهوانية التي تشبه خطم الأرنب، أمها التي سنكتشف أنها كانت تدعي الصمم والعمى، ضابط العدو الذي يسـتأجر غرفة في بيت الجدة، والذي يعشق الذكور، الإسكافي البسيط الذي يهب التوأم الأحذية لأنه ينتظر الموت في أية لحظة، انتقامًا فيما يبدو من كونه يهوديا، ابنة العم المزعومة التي توافق الجدة على إخفائها في بيتها مقابل شنطة من المجوهرات، خادمة للخوري شهوانية أيضًا وتستغل الصبيين جنسيا، حياة مضطربة في قرية يسكنها الفقر والخوف، كيف يمكن أن يعيش فيها صبيان ذكيان مع جدة عجوز قتلت جدّهما منذ سنوات بالسم؟

هنا صورة بسيطة ولكنها مؤلمة للغاية، لأننا نقرأ ذكريات أطفال بلا طفولة، ونسمع عن آثار للحرب في منطقة يفترض أنها آمنة، وبطريقة أكثر بشاعة من الحرب نفسها، الصورة مروعة لأنك لا تعرف بالضبط هل هذه الشخصيات بشعة لأنها جزء من الحرب، أم أن الحرب بشعة لأنها أفرزت هذه الشخصيات التي تدافع عن بقائها، والتي تحركها الغريزة، والتي تعبر عن أسوأ ما في الإنسان من جشع وقسوة وغلظة وقدرة على ممارسة العنف والإنتقام.

وراء هذا السرد المنطلق، وتلك العناوين التي يحملها كل فصل، تعبير غير مباشر عن مأساة باتساع الإنسانية، وليست فقط بحجم شخصياتها، الموت نفسه يكتسب في الرواية شكلا مجانيا وساخرا أحيانا، إنه يحدث ببساطة سواء كان في تسميم الجد، أو قتل خادمة الخوري باستخدام ذخيرة الجندي القتيل، أو في شكل موت فتاة خطم الأرنب من المتعة والنشوة بعد مضاجعة الجنود المنتصرين لها ، أو في صورة مقتل الأم بقذيفة عندما جاءت لتسترد التوأم اللذين يدفنان بقايا أمهما بدم بارد، أو حتى في صورة مقتل الأب العبثي أثناء محاولة تهريبه بعد الحرب، حيث انفجر فيه أحد ألغام الحدود، وبالطبع في قصة موت الجدة بعد غيبوبة وصراع طويل.

الحرب في الرواية شرّ مطلق رغم أننا بعيدون عن ساحات المعارك، كما أن آثارها مدمرة رغم نهاية القصف والقتل، لقد خرج العدو ليحتل البلد أجانب آخرون، هناك حكومة وطنية، ولكنها تخضع للمنتصرين، وهناك أسوار وأسلاك شائكة لمنع المتسللين، وكأن اللعنة سلسلة متواصلة بلا نهاية، لتنتهي الرواية بأحد الصبيين وهو يحاول الهرب، بينما يبقي الثاني في منزل الجدة.

«الدفتر الكبير» في جوهرها رواية عن الجانب الآخر السيئ من الحياة الذي يظهر في أوقات الحرب، وهي أيضًا عن قدرة الإنسان علي التكيف رغم كل شيء. في ظل ظروف أخرى، كان يمكن أن يكون التوأم من العلماء، ولكنهما اختبرا اللون الأسود مبكرًا، كان يعزفان الأغاني ويقدمان المسرحيات طلبًا للرزق، ولكنهما أيضا سيقتلان ويحرقان ويسرقان، وسيجدان نفسيهما في بيت الجدة، وليس في المدينة، ولذلك سيرفضان طلب الأم بالعودة معها.

عاش كل من “أوليفر تويست” و”دافيد كوبرفيلد” حياتين قاسيتين فرضت عليهما في روايتين لديكنز، ولكن توأم أجوتا كريستوف لديهما إرادة واعية للغاية في التعامل مع الحياة بقسوة مضادة، بل إن تمارين التوأم التي تسردها أجوتا تكاد تعلن عن فلسفة في مواجهة القبح بالقبح، وفي ترويض الذل، وفي اختيار قدرة الإنسان الداخلية على التحمل، قسوة داخلية في مقابل قسوة خارجية مصدرها الجدة وظروف الحرب، ولا يفل الحديد إلا الحديد.

يصدمنا بالتأكيد ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في ممارسة القسوة، ولكننا لا نمتلك إلا أن نرثي له أيضا، وأن نتمنى لو أن خوري الكنيسة كان أكثر من شخص واحد، ربما كانت القرية في ظروف أفضل. في رواية «الدفتر الكبير» تجربة إنسانية ثرية، وفيها لمسة عبثية حيث تورث اللعنة من الجدة إلى الأم إلى الحفيدين، فتحت أجوتا كريستوف نافذة على عالم واقعي تمامًا، نرى مثيلا له في فترات الحروب في أي مكان، لم تقم بتجميل الصورة، قدّمتها كما هي، وقالت عبر شخوصها وتفاصيل حياتهم، إن القبح ليس في الحرب فحسب، وإنما هو في الأصل يقبع في داخلنا، ونحن من نقوم باستدعائه، فيحضر بكل أسلحته القاتلة.