«هاينريش المصري».. رحلة عمرها 150 سنة

محمود عبد الشكور

تأخذنا هذه الرواية القصيرة التي صدرت ترجمتها عن دار نشر (وكالة سفنكس) للروائي السويسري ماركوس فيرنر (ولد في ديسمبر من العام 1944 وتوفي في يوليو من هذا العام 2016) إلى رحلة في المكان والزمان أكثر كثيرا مما نتخيل. “هاينرش المصريبترجمة إيمان نافع وخالد طوبار، لا تتجاوز 240 صفحة من القطع الصغير، ومع ذلك فإنها تحكي عن رحلة بين سويسرا وفرنسا والقاهرة والإسكندرية والسويس والإسماعيلية والزقازيق وطنطا وكفر الزيات، كما تستغرق زمنيا 150 سنة من سيرة مغامر سويسري يدعي هاينريش بلونتشيلي وعائلتة المكونة من عدة أجيال، ولعل هذا العمق الزمني والمكاني، رغم صغر حجم الرواية، يكشف عن براعة من مؤلفها، الذي كتبها في العام 1999.

هناك نقطة أخري بارعة من ماركوس فيرنر هي أنه يحكي في الحقيقة عن رحلتين متوازيتين: رحلة الجد هاينريش بلونتشيلي الذي جاء إلى مصر في عصر الخديوي عباس حلمي الأول، وحصل على ثقة الخديوي سعيد باشا، ثم الخديوي إسماعيل، وعرف فرديناند دليسبس، وحضر حفل افتتاح قناة السويس، ثم توفي في العام 1901، بعد حياة حافلة من العمل في مجال الصناعة، وفي مجال الإدارة الحكومية، ورحلة أخري لا تقل عنها أهمية ، هي رحلة الحفيد الذي يسرد لنا حكايه في اقتفاء آثار جده ، سواء في مصر، أو في زيوريخ، ويبدو لنا في النهاية كما لو أن الحفيد يكرر رحلة الجد، ولكنها رحلة معرفة واكتشاف عند الحفيد، ورحلة تجارة وبحث عن الثروة عند الجد، وتنتهي الرحلتان وقد عرف الحفيد بعضا من الحقائق، وبعضا من الأكاذيب التي سمعها، بينما يتأكد أن رحلة الجد لم تحقق له حلم الثروة، وإن جعلته مغامرا حتى النهاية، ولعل ذلك هو الذي يجعل الحفيد أقل خوفا من المستقبل، على العكس من جده. إنه تنوير مزدوج ، واكتشاف متوازي للجد والحفيد، كما أن الرحلتين تحققان سياحة في اتجاهين مختلفين: سويسرا قديما، ومصر في التسعينيات، وفي الحالتين ينطلق السارد بحرية، يصف ويعلق، ويحاول أن يفرز الصواب من الخطأ، ويريد أن يعْلمْ، وأن يتعلم، وأن يعيد بعث الزمن القديم، وأن يكتشف تاريخ عائلته الطويل.

تبدأ الرواية بزيارة الحفيد إلى الأهرامات في التسعينيات، ثم يذهب لزيارة السفيرة السويسرية في مصر، إنه يبحث عن آثار جده الراحل الذي لا يمتلك عنه سوي أقل القليل، والذي توجد عنه كلمات قليلة في كتاب عن حياة الجالية السويسرية صدر في الأربعينيات من القرن العشرين. عندما يذهب الراوي إلى القنصل السويسري، يحصل على مزيد من المعلومات غير الكافية، ولكن الحفيد يواصل البحث والتنقيب، فيعود بنا إلى زيوريخ حيث معلومات شحيحة حصل عليها من جدته، التي تركت له دفترا أزرق به بعض الكتابات عن الجد الأكبر هاينريش، وكذلك نوتة للطبخ تخللتها رسائل من هاينريش وابنه. تتداخل فصول رحلة الحفيد إلى مصر، مع رحلة الجد القديمة إلى مصر، ويتيح هذا البناء ترجمة الفكرة الهامة، بأن الرحلتين متداخلتان، وبأن الحفيد على خطي الجد، وإن اختلفت الأهداف، ولكن المغامرة السويسرية مستمرة في أزمنة مختلفة، وبطرق متنوعة.

حكاية هاينريش يحددها طموحه الخاص واستقلاله، ورغبته العارمة في أن يحقق ما يريد، مهما كانت النتائج، ولكن يصاحبها دوما سوء الحظ سواء في سويسرا أو في مصر، فقد كان هاينريش ابنا لقس لديه ثلاثة أبناء، ولكن الصبي هاينريش لم يكن يريد أن يكون قسا مثل أبيه، كان مهتما بالآثار ، عثر وهو صبي على عملات رومانية ذهبية من عصر نيرون فاحتفظ بها، وقال لوالده إنه يريد أن يكون تاجرا للحرير، ولكن هاينريش رضخ أخيرا لرغبة والده، ودرس اللاهوت، وإن تضاربت المعلومات عن مسألة استكماله للدراسة. هاينريش لم يعمل في سويسرا قسا مثل أبيه، وتنقل بين أكثر من عمل مثل صناعة القطن، والعمل في البنوك. زار هاينريش باريس، وارتبط بفتاة جميلة، وتم تجنيده في الجيش، ليشارك في حرب الإتحاد السويسري الأهلية، ولكنه نجح في أن يتزوج، وأنجب ولدا صغيرا من زوجته، وصمم على أن يعمل في مجال صناعة الحرير.

ولكن الظروف لم تكن جيدة، فتراكمت عليه الديون، وحجز أصحاب الديون على ممتلكاته، بعد أن أعلن إفلاسه، وتركته زوجته وطفله الصغير، واضطر أن يسافر إلى مصر ليجرب حظه. جاء في عصر مضطرب، حيث حكم الخديوي غريب الأطوار عباس الأول، الذي سرعان ما قُتل في ظروف غامضة، وخلال عدة سنوات ، كان هاينريش ينتقل بين عدة مدن مصرية، ويعمل في أكثر من مهنة، يقود عدة مشروعات خاصة، ويحصل على ثقة الإدارة المصرية، فيتقلد عدة وظائف هامة، مرة كمدير لشركات الملح المصرية، حيث يدير شركة في الشلوفة بالسويس، ثم ينتقل هاينريش إلى الإشراف على البريد في الإسماعيلية، ومدن القناة الجديدة، ثم يصبح هاينريش بلونتشيلي مشرفا على مصانع القطن في الدلتا.

ينفصل الجد عن حياته في سويسرا، تحصل زوجته الأولي على الطلاق، وتعيش مع ابنها الصغير في سويسرا، بينما يتزوج هو من فتاة يونانية في مدينة كفر الزيات، وينجب منها خمسة أبناء، يولدون جميعا في مصر، وتنتهي رحلة الجد من دون أن يحقق حلم الثروة، كما يعود ليكون قسا من جديد، ولكن هذه المرة في مدينة الإسكندرية، وكأن الزمن يعانده، وكأنه لا يستطيع أن يهرب من قدره، رغم أن له شرف المحاولة والمغامرة.

أما رحلة الحفيد/ السارد فهي تأخذه إلى مصر، يفتش وراء أصغر معلومة، وكلما زار مكانا، استحضر جده أمامه، بل إنه يستحضر جده في مدينة زيوريخ التي تغيرت في التسعينيات، يذهب الحفيد إلى مقابر الجالية السويسرية في القاهرة، والي دار المحفوظات والوثائق، وإلى المتحف الجيولوجي، وإلى متحف البريد، ويستقصي ما تبقى من آثار الجد في السويس والإسماعيلية، وفي الزقازيق وطنطا وكفر الزيات، ثم ينتهي به المطاف إلى الإسكندرية، إنها رحلة موازية يستعين فيها الحفيد بالقليل ممن المعلومات، ويكتشف خلالها أكاذيب كثيرة نقلت إليه عن تاريخ الجد، الذي بقيت من حياته الغابرة لوحة رسمها له في باريس فنان سويسري، أصبح فيما بعد من المشهورين.

تتميز الرواية بتفاصيل كثيرة ذات طابع حميم، كما يعتمد الراوي على السجلات والوثائق ، إنها بمثابه تفتيش لإعادة كتابة تاريخ عائلي، وهناك لمسات ساخرة متكررة للراوي، وكأنه يتشكك في التاريخ الرسمي على مستوي الحكاية الخاصة، أو حتى على المستوي الوطني العام، ربما ينتقص من الرواية أننا لا نعرف الكثير عن الحفيد/ السارد، بينما نعرف أدق التفاصيل عن الجد، كما نلاحظ أن النظرة للمجتمع المصري سطحية وسياحية، من دون أن ندخل في العمق، لا في زمن الجد، ولا عند زيارة الحفيد إلى المدن المصرية، ولكن تبقي للتجربة أهميتها، وللفكرة الذكية حضورها، كما أن المكان يبدو حيا ونابضا بالحركة واللون، والإنتقالات بين مصر وسويسرا تتم بشكل جيد وسلس.

«هاينريش المصري» رواية فيها الكثير من النوستالجيا للأماكن وللأزمنة، وفيها بالأساس فكرة البحث عن تاريخ حقيقي، وليس مزيفا، وهي رواية تمجد المغامرة والرحلة بحثا عن الذات، بصرف النظر عن النتائج. لم تزعجني انتقادات السارد للكثير من سلبيات الحياة المصرية، فنحن ننتقدها أيضا، ولكن أزعجني في الترجمة الكثير من الأخطاء المطبعية والنحوية الفادحة، التي أفسدت الاستمتاع بالقراءة، فلعل طبعة أفضل وأكثر دقة ومراجعة تصدر من تلك الترجمة الصادرة في العام 2010، لأن الرواية مهمة وتستحق أن تترجم على مستوى كتابتها.